ملف رقم: ٤٠٤ - قسم الشؤون الرمزية
قصيدة تفاعلية عن المواطن، القنصلية، والمنفى الإداري
توقيع: KUFANI
يُقال،
أو يُنسب القول إلى الإمام علي:
خيرُ البلاد ما حملك،
لا ما حملته.
وأنا،
كلما سمعت كلمة الوطن،
فتّشت في قدميّ عن تراب لم يخنّي،
وفي يديّ عن ورقة لم تُهنّي،
وفي جيبي عن غرامة لم تولد قبلي.
ما الوطن؟
أهو المكان الذي وطئته القدم أول مرة،
أم المكان الذي لا يطلب منك أن تعتذر عن ولادتك؟
أهو النشيد،
أم النافذة الضيقة في قنصلية بعيدة،
حيث يقف العراقي
كأنه خطأ مطبعي في سجل الدولة؟
أهو العلم،
أم الموظف الذي يقول ببرودة القانون:
"هذه هي التعليمات. اذهب إلى العراق وأكمل معاملتك هناك."
بوابة الأناضول
التي تعلّمت وجهي من طوابير الانتظار
السور الشامي المكسور
الذي لم يعد ممرًا مطمئنًا لعودة العراقي إلى بلده... بدّل القناع ولم يبدّل الخوف.
ضفة الهاشميين / خاصرة الصحراء
حصان للغرب، وحصان للعشيرة، وحصان للحدود... وحصان صغير يُترك للعراقي كي يظن أن الطريق سالكة.
النقطة الغازية / بوابة النيل / الخاصرة الصغيرة / الهضبة الشرقية / الجبل الذي يفاوض الخريطة...
أما أمي،
تلك التي بلغت المئة ولم تبلغ الراحة،
فقد حملت العراق في جسدها كما تحمل الشجرة آثار الفؤوس.
كان ابنها في عمر الورد
حين اختطفه حراس الليل القديم من نهاره الأول،
وأخذوه إلى ليل السجون،
ثم أعادوه إليها خبرًا مقتولًا،
لا جسدًا يمكن وداعه.
ثلاث سنوات
كانت تقرأ على حبات الرز،
حبة حبة، آيات وأدعية...
"لعل النظام يلين. لعل الباب الحديدي يتذكر أن له قلبًا. لعل السجن يخطئ مرة ويعيد ابنك."
ثم، بعد هذا العمر كله،
تأتي الدولة نفسها لتسألها عن شهادة حياة.
أي حياة تريدون إثباتها منها؟
حياة الجسد؟ أم حياة الصبر؟
قال صوتٌ من خلف الزجاج،
كمن ينقل نكتة سوداء لا يملك حق الضحك عليها:
"جاؤوا بجثمان عراقي في تابوت، يريدون تسفيره إلى العراق."
حتى التابوت كان عليه أن يقف في الطابور.
حتى الميت لم يُعفَ من السؤال القديم:
قسم التدقيق النهائي
KUFANI
يُقال،
أو يُنسب القول إلى الإمام علي:
خيرُ البلاد ما حملك،
لا ما حملته.[1]
وأنا،
كلما سمعت كلمة الوطن،
فتّشت في قدميّ عن تراب لم يخنّي،
وفي يديّ عن ورقة لم تُهنّي،
وفي جيبي عن غرامة لم تولد قبلي.
ما الوطن؟
أهو المكان الذي وطئته القدم أول مرة،
أم المكان الذي لا يطلب منك أن تعتذر عن ولادتك؟
أهو النشيد،
أم النافذة الضيقة في قنصلية بعيدة،
حيث يقف العراقي كأنه خطأ مطبعي في سجل الدولة؟
أهو العلم،
أم الموظف الذي يقول ببرودة القانون:
هذه هي التعليمات.
اذهب إلى العراق وأكمل معاملتك هناك.
كأن العراق جار للدنمارك،
كأن الطريق إليه لا يمر بالمطارات المرهقة،
ولا بالحقائب المفتوحة على الشبهة،
ولا بالحدود التي تفتش وجه العراقي قبل جوازه.
أذهب إلى العراق؟
ومن يحملني إلى هناك؟
بوابة الأناضول التي تعلّمت وجهي من طوابير الانتظار؟
أم السور الشامي المكسور،
الذي لم يعد ممرًا مطمئنًا لعودة العراقي إلى بلده؟
ذلك السور بدّل القناع ولم يبدّل الخوف:
من بعث قومي إلى بعث متدين،
من سلطة الشوارب إلى سلطة اللحى،
من حلق اللحية بأمر الحاكم إلى إطلاقها بأمر الحاكم نفسه.
وما أحلى الشرع حين يأتي من شريعة المصالح الدولية،
وحين يصبح الاسم أجمل من الطريق،
وأكثر أمنًا من العابرين.
أم ضفة الهاشميين،
الجار الذي لا يجاور العراق بقدر ما يجاور جرحه؟
خاصرة صغيرة على الرمل،
ما زالت في بعض زواياها صورة الطاغية تلمع كتعويذة قديمة،
كأن المستبد حين يسقط في بلده يجد له مريدين في بلد آخر.
هناك، تُرفع الواجهة باسم النسب،
وتُدار الممرات بأناقة القصور،
لكن العقل السياسي يراهن أحيانًا كما يراهن رجل أنيق في سباق خيول من الدرجة الأولى:
حصان للغرب، وحصان للعشيرة، وحصان للمساعدات، وحصان للحدود،
وحصان صغير يُترك للعراقي كي يظن أن الطريق سالكة.
هل ينتظر العرب أن يطيروا إلى المريخ كي يكتشفوا أن الخيمة لا تصلح بدل الدولة؟
وهل سيأخذون الإبل معهم، والزعيم معهم، والخطبة معهم، وصور الطغاة معهم،
ثم يقفون على التراب الأحمر يسألون الكوكب الجديد:
أين المعبر؟ أين الختم؟ أين القبيلة التي تمنحنا حق العبور؟
يا له من خيال كبير يصعد إلى المريخ، ثم يعجز عن ترتيب نافذة في قنصلية.
ويا له من عري سياسي لا يحتاج إلى امرأة عارية في منتصف ملعب كرة قدم كي يُرى:
الجسد العام مكشوف أصلًا في قلب الساحة،
والجمهور يصفق، والحكم يبتسم، والكرة ليست في الملعب، بل في جيب الحاكم.
أم النقطة الغازية التي تصغر في الخريطة وتكبر في ممرات المصالح؟
أم بوابة النيل التي ترى في المسافر حسابًا لا حكاية؟
أم الخاصرة الصغيرة التي لم تبرأ من الدبابة،
وتنسى أحيانًا أن الشعوب لا توقّع قرارات الطغاة؟
أم الهضبة الشرقية التي بيننا وبينها تاريخ لا يعرف أين يضع يده؟
أم الجبل الذي يفاوض الخريطة،
ذلك الشمال المعلّق بين الوطن والدولة،
وبين الذاكرة ورغبة الانفصال عن الجسد؟
أنا لا أبحث عن وطن كامل.
الكمال شبهة أخرى.
أبحث عن بلد لا يعاقب أبناءه لأنهم نجوا منه.
أبحث عن نافذة واحدة لا تجعل الهوية امتحانًا في الذل،
عن جواز لا يحتاج إلى رحلة أطول من العمر،
عن بطاقة موحدة لا توحّد الوجع والغرامة والانتظار.
قبل أن تطلب البلاد
من عجوز بلغت المئة وثيقة اسمها: شهادة حياة،[2]
كان عليها أن تفتح درجها وتبحث عن شهادة حياة لها.
لا نريد شهادة الحياة الكبرى،
تلك التي يكتبها الفلاسفة عن معنى الوجود.
نريد الورقة نفسها،
بالاسم نفسه،
بالبرودة نفسها:
شهادة حياة.
أثبت لنا أنك حي كما تطلب من أم مكسورة الظهر أن تثبت أنها لم تمت.
أثبت أنك تتنفس من غير ختم حزب،
ومن غير توقيع قنصل،
ومن غير شاهدين يخافان من الحقيقة.
في الدنمارك،
حين يبلغ الإنسان مئة عام،[3]
لا يُسأل: هل أنت صالح للحياة؟
لا يُدفع إلى طائرة بعيدة،
ولا يُطلب منه أن يقف أمام موظف كي يبرهن أن قلبه لم يتوقف.
تأتيه تحية من الملك،
كأن الدولة تقول له:
رأينا عمرك. رأينا تعبك. رأينا أنك عبرت قرنًا كاملًا ولم تصبح عبئًا على معنى البلاد.
أما أمي،
تلك التي بلغت المئة ولم تبلغ الراحة،
فقد حملت العراق في جسدها كما تحمل الشجرة آثار الفؤوس.
كان ابنها في عمر الورد حين اختطفه حراس الليل القديم من نهاره الأول،
وأخذوه إلى ليل السجون،
ثم أعادوه إليها خبرًا مقتولًا، لا جسدًا يمكن وداعه.
ثلاث سنوات كانت تقرأ على حبات الرز،[4]
حبة حبة، آيات وأدعية،
كما قالت لها امرأة سبقتها إلى الفجيعة:
افعلي ذلك. لعل النظام يلين. لعل الباب الحديدي يتذكر أن له قلبًا. لعل السجن يخطئ مرة ويعيد ابنك.
ثلاث سنوات والأم تفاوض الطغيان بحبة رز،
وتقيس الأمل بما يتسع له الكف،
وتؤمن أن الدعاء قد يجد ثغرة في جدار المخابرات.
ثم، بعد هذا العمر كله،
بعد الابن المأخوذ، والسنوات المطحونة، والدعاء الذي تعب من الوقوف،
تأتي الدولة نفسها لتسألها عن شهادة حياة.
أي حياة تريدون إثباتها منها؟
حياة الجسد؟ أم حياة الصبر؟
أم حياة الأم التي دفنت ولدها في قلبها قبل أن تطلبوا منها ختمًا جديدًا؟
كانت هي تمنح العراق شهادة حياة يومية،
حين تقرأ على الرز، وحين تنتظر الباب، وحين تصدق أن الظلم قد يخجل.
لكن العراق لم يكن حيًا بما يكفي كي يسمعها.
ثم لا ينتهي الامتحان عند الحياة.
قال صوتٌ من خلف الزجاج،
كمن ينقل نكتة سوداء لا يملك حق الضحك عليها:
جاؤوا بجثمان عراقي في تابوت، يريدون تسفيره إلى العراق.
حتى التابوت كان عليه أن يقف في الطابور.
حتى الميت لم يُعفَ من السؤال القديم:
أين أوراقك؟ هل هي كاملة؟ هل الختم واضح؟ هل التوقيع حسب الأصول؟ هل الموت رسمي بما يكفي كي نسمح له بالعودة؟
يا للبلاد التي لا تكتفي بإذلال أحيائها،
بل تطلب من موتاها أن يرتبوا ملفاتهم قبل الدخول إلى التراب.
الميت لا يريد وظيفة، ولا جوازًا جديدًا، ولا بطاقة موحدة، ولا راتبًا، ولا منحة، ولا مقعدًا في الدولة.
كل ما يريده أن يعود جسده إلى التراب الذي صدّق يومًا أنه وطنه.
ومع ذلك، يقف التابوت أمام النافذة، نيابة عن صاحبه، كأنه آخر مواطن عراقي لم تكتمل معاملته.
ثم تظهر صورة أخرى، أكثر لمعانًا وأشد خواء.
يموت شاعر في الخارج، أو فنان، أو كاتب قضى عمره يحاول أن يمنح العراق جملة أجمل من نشرات الأخبار.
يموت بعيدًا، فتبدأ المناشدات:
أعيدوا الجثمان إلى الوطن. ادفنوه في بلده. لينم في ترابه.
ثم تظهر القنصلية في صورة تذكارية مع الموت، وتقول بلسان الدولة:
لقد أعدنا الجثمان.
كأن الجثمان مشروع ثقافي، وكأن التابوت منجز وطني، وكأن آخر ما تستطيع الدولة تقديمه للمثقف أن تستقبله ميتًا بعد أن عجزت عن سماعه حيًا.
ما قيمة هذا التكريم؟
هل يحتاج الشاعر إلى وطن بعد أن توقفت قصيدته؟
هل يحتاج الفنان إلى ختم رسمي كي يعبر آخر حدود الجسد؟
هل يحتاج الكاتب إلى بيان قنصلي يعلن أن الدولة تذكرته حين صار أخف من حقيبة؟
ليس التكريم أن تعيدوا جثمانه.
التكريم أن لا تدفعوه إلى الموت بعيدًا وهو يشعر أن بلده لم يكن له إلا في المراثي.
ليس التكريم أن ينام في تراب العراق،
بل أن يعيش العراقي من غير أن يظل يطلب من ترابه اعتذارًا مؤجلًا.
وما فائدة الوطن إذا كان لا يعرف أبناءه إلا حين يصيرون نعوشًا صالحة للتصوير؟
القنصلية ليست عربةً أخيرة لمن لم تسمعهم البلاد أحياء.
ولا وظيفة الدولة أن تفتح الطريق للجسد بعد أن أغلقت السمع عن صوته وهو حي.
وظيفتها الأولى أن تحمي كرامة الحي، أن تجعل الجواز بابًا لا سوطًا، والهوية حقًا لا مصيدة، والسفارة بيتًا صغيرًا للمواطن، لا نسخة مصغرة من الدائرة التي هرب منها.
أما أن تُهان حياة الإنسان، ثم يُحتفى بجثمانه، فهذا ليس تكريمًا.
هذا تأبين رسمي للكرامة التي ماتت قبله.
ثم اكتشفت أن للبلاد قاموسًا صغيرًا تخفيه في أدراجها:
شهادة حياة، وشهادة وفاة.
الأولى تطلبها من العجوز كي تصدق أن قلبها ما زال يعمل.
والثانية تمنحها للميت كي تسمح لجسده أن يخرج من ملف ويدخل في تراب.
لكن من يمنح الوطن وثيقته المناسبة؟
هل نعطيه شهادة حياة لأنه ما زال يرفع علمًا، ويختم معاملات، ويحصي الغرامات، ويرسل موظفين إلى النوافذ؟
أم نطلب له شهادة وفاة لأن العدالة فيه ماتت، والخدمة ماتت، والرحمة ماتت، والإنسان صار رقمًا ينتظر توقيعًا كي يثبت أنه كان موجودًا؟
لا أريد للوطن شهادة وفاة.
لا أريد أن أوقّع على موته، ولو كان هو يوقّع كل يوم على موتنا الصغير.
أريد منه فقط شهادة حياة واحدة:
شارعًا لا يطرد أبناءه، قنصلية لا تهين وجوههم، قانونًا لا يطارد الطفل لأنه وُلد بعيدًا، وموظفًا يعرف أن المواطن ليس ورقة ناقصة.
بعد ذلك فقط، يمكن أن نسأل:
ما الذي قدمناه للوطن؟
لكن السؤال الأعدل:
ماذا فعل الوطن بمن قدموا له أبناءهم أحياء، ثم عادوا إليه موتى، فطلب منهم ورقة أخرى؟
ماذا فعل بمن كتبوا له، وغنّوا له، ورسموه، وحملوا اسمه في المنافي، ثم لم يجدوا منه إلا تابوتًا مرتب الأوراق؟
ما الذي قدمناه للوطن؟
سؤال جميل حين يقوله من حمله الوطن على كتفيه، علّمه، أرسله، وظّفه، حماه من الحرب، ثم ترك له آخر العمر كرسيًا، ونافذة، ومذكرات.
لكن ماذا يقول من حمل الوطن فوق ظهره مثل كيس رمل؟
من دفع عمره بدلًا عن النفط؟
من رأى الشهادة تصير واسطة، والوظيفة غنيمة، والقانون كمينًا، ومن رأى المقدس يتحول إلى لافتة على باب المصلحة؟
لا أريد أن أشتم البلاد.
الشتيمة سهلة.
أريد أن أسألها فقط:
أين كنت حين صار العراقي يقيس وطنه بسهولة تجديد جوازه؟
أين كنت حين صارت السفارة نسخة مصغرة من الدائرة التي هرب منها؟
أين كنت حين صار المال في الغربة وطنًا، لا لأنه أقدس من التراب، بل لأنه يدفع الإيجار، ويحفظ الدواء، ويمنح العجوز حقها من غير أن يطلب منها أن تثبت أنها لم تمت بعد؟
كل أرض الله بلادي، لكن ليس كل أرض تحملني.
البلاد التي تحملني ليست التي ترفع صوتها في الأغاني، ولا التي تباهي بحمورابي، وسوق الصفافير، والكباب، والطرشي، ولا التي تبكي الحسين كل يوم ثم تترك المظلوم واقفًا أمام نافذة مغلقة.
البلاد التي تحملني هي التي لا تسأل أمي عن أهليتها كأن عمرها الطويل تهمة، ولا تجعل من الشيخوخة ملفًا ناقصًا، ولا تطلب من الذاكرة أن تركب طائرة إلى بغداد كي توقع حضورها أمام موظف قد لا يعرف معنى الحياة.
أيها الوطن،
لسنا نحن وحدنا من يحتاج إلى شهادة.
أنت أيضًا تحتاج إلى ختم من الفقراء، وتوقيع من الأرامل، وبصمة من المغتربين، وشهادة من الأطفال الذين كبروا وهم يسمعون اسم العراق مثل باب بعيد لا يفتح إلا على الرسوم والغرامات.
هات لنا شهادة حياة،
لا من سفارة، ولا من وزارة، ولا من حزب، ولا من خطيب يجيد البكاء على المنابر.
هاتها من شارع نظيف، من مدرسة لا تهين أبناءها، من مستشفى لا يساوم المريض، من موظف لا يرى المواطن فريسة، من قانون لا يعامل العراقي كأنه عابر غير مرغوب فيه داخل اسمه.
وحين تثبت أنك حي، سنأتيك بأوراقنا كلها:
جوازاتنا، هوياتنا، ولادات أبنائنا، صورنا القديمة، ندوبنا، لهجتنا التي لم تشفَ، وقلوبنا التي، رغم كل شيء، لم تتعلم كيف تكرهك تمامًا.
أما الآن، فلا تسألنا عن شهادة حياة.
اسأل نفسك أولًا:
هل ما زلت وطنًا، أم صرت دائرة كبيرة لا تعرف من الحياة إلا الطابع، والختم، والغرامة؟
وسيدي الموظف،
حين أعود إلى النافذة، لا أريد شهادة حياة لي.
أريد أن أعرف فقط:
هل لدى الوطن
شهادة حياة،
أم شهادة وفاة؟